وقفُ الحرب مقابل «الوصاية» على غزّة.. أمريكا و”إسرائيل” تتكاملان
متابعات..| تقرير*
يبدأ المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، قريباً، جولةً إقليمية جديدة تشمل إلى إسرائيل كلاً من مصر والسعودية وقطر والإمارات، تحت عنوان واضح ومتماهٍ تماماً مع الموقف الإسرائيلي: البحث في تمديد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والمفترض أن تنتهي نظرياً في الأول من آذار المقبل. وإذ لم ترِد في مواقف ويتكوف السابقة لزيارته، أي إشارات في شأن المرحلة الثانية، فإن التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى الحرب، ليست للتهويل فحسب، بل فيها من الإشارات الدالّة على نيّات ابتدائية للعودة إلى القتال، وإنْ بالتدريج، في حال لم تحقّق التهديدات أهدافها.
ولا يقتصر الموقف الأميركي على التماهي مع المصالح الإسرائيلية، بل تسعى واشنطن، بالتكامل مع تل أبيب، إلى فرض هذه المصالح فرضاً، وعلى رأسها الدفع نحو ترتيب سياسي وأمني يتوافق معها، تحت طائلة التهديد بالعودة إلى الحرب والتهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة (أي السعي بوسائل أخرى غير عسكرية، إذا أمكن، لتحقيق أهداف القتال). إلا أن مواقف يتكوف وتصريحاته لا تدلّ على مسعى لتمديد المرحلة الأولى فحسب، بل هي أيضاً خطوة تمهيدية نحو المرحلة الثانية، التي تغيّرت ماهيتها بشكل جذري، سواء أكان إسرائيلياً أم أميركياً، وأصبح عنوانها تحقيق غايات أوسع تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى؛ إذ تعمل واشنطن وتل أبيب، بالتكافل والتضامن، على ضمان أن تكون المرحلة الثانية متوافقة تماماً مع الغايات التي كانت موضوعة للخيارات العسكرية، بما في ذلك إنهاء حكم حماس ونفوذها، وضمان تفكيك قدراتها، ومنعها من التعافي مستقبلاً.
يُتوقّع أن يناقش زيتكوف مع المسؤولين في مصر وقطر تحديداً، سبل تعزيز الضغط على «حماس» لدفعها نحو تقديم تنازلات
وكانت إسرائيل جمّدت، بشكل غير مفاجئ، الأحد الماضي، الإفراج عن 602 أسير فلسطيني، مقابل إطلاق سراح ستة أسرى إسرائيليين، متّهمةً الحركة بـ«إهانة الأسرى الإسرائيليين» خلال عملية التبادل. غير أن وصف الإجراءات الفلسطينية بـ«المهينة»، يبدو غطاءً لسخط إسرائيلي عميق من استمرار سيطرة «حماس» على القطاع، خصوصاً أن المشاهد والصور التي رافقت عملية التبادل، بيّنت فشل الحرب في تحقيق أهدافها. ويرمي هذا الإجراء إلى تعزيز الضغط على الحركة لدفعها إلى تقديم تنازلات أكبر، تمهيداً لقبولها بتمديد المرحلة الأولى بغرض سحب ما أمكن من أسرى إسرائيليين لديها، وتقليص قدرة هذه الورقة على التأثير في الجانب الإسرائيلي، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تبدو حتى الآن مستبعدة وتشوبها شكوك كثيرة.
ويُتوقّع أن يناقش المبعوث الأميركي مع المسؤولين في مصر وقطر تحديداً، ومع الإماراتيين والسعوديين أيضاً، سبل تعزيز الضغط على «حماس» لدفعها نحو تقديم تنازلات، ليس في اتّجاه فرض تمديد المرحلة الأولى فقط، بل طرح خطّة تهدف إلى نقل السلطة في غزة إلى جهات ثالثة، تكون هي أساس المرحلة الثانية. ويعتمد نجاح هذا التصوّر بشكل كبير على قدرة الأطراف الإقليمية على إقناع «حماس» بالقبول بهذه الخطة، التي قد تُقدَّم بحلّة «مرنة» نسبياً لتكون أكثر قبولاً بالنسبة إلى الحركة.
وعلى الرغم من أن «حماس» منفتحة إلى حدّ بعيد على إمكان التخلّي عن السلطة في غزة لجهات فلسطينية أخرى، إلا أن ثمة خطاً فاصلاً قد تجد نفسها مجبرة على عدم تجاوزه في تعاطيها مع ما سيُعرض عليها. ذلك أن القبول بالطروحات الإسرائيلية المتطرّفة جداً، سيؤدي إلى تداعيات سلبية كبيرة بالنسبة إليها، ربما تصل إلى حدّ التهديد الوجودي نفسه الذي تسعى إليه تل أبيب بوسائل غير عسكرية، ما يضع الحركة أمام خيارات محدودة ومؤلمة، يحمل كلّ منها أثماناً باهظة.